محمد أبو زهرة

1307

زهرة التفاسير

فتنحرف عن مدارك الحق ومشارق العرفان ، فلا يمكن أن يكون للهداية موضع في النفس ، فلا يهديه اللّه سبحانه ، وإن الظلم بطبيعته يفسد الإدراك كله ؛ لأن إدراك الحقائق يستلزم صدق النفس في طلبها ، وصدق النفس في طلب الحقائق لا يمكن أن يكون مع الظلم . الذي يجعل الهوى مسيطرا ، فالظلم ظلمات في النفس ، وظلمات يوم القيامة . أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ بعد أن شرح اللّه سبحانه نفس الذين سيطر الهوى عليهم بين اللّه جزاءهم في الدنيا والآخرة ، وقوله تعالى : أُولئِكَ إشارة إليهم في أوصافهم السابقة ، فالإشارة ليست إلى أشخاصهم ؛ لأنه لم يذكر أشخاصا ، إنما ذكر أوصافا ، فالإشارة إلى من عندهم هذه الأوصاف ، وقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة الجزاء الأول لهم ، وهو اللعنة المؤكدة الثابتة المجمع عليها ، وهي لعنة من اللّه وهي أعلاها ، ولعنة من الملائكة ، ولعنة من الناس أجمعين ، أي أنها لعنة من الخالق والمخلوقين العقلاء سواء منهم من كانت طبيعته روحية ملكية ، ومن كانت طبيعته إنسانية لها صلة بأعلاق الأرض ولها صلة بالروحانية السماوية ؛ ذلك بأن الظلم أبغض الصفات الإنسانية عند اللّه والناس ، فاللّه سبحانه قد كتب العدل على نفسه ، ولذا روى أنه ورد في حديث قدسي : « يا عبادي إني قد حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا » « 1 » ، والظالمون الذين سيطر الغرض والهوى على نفوسهم فلا يؤمنون بشيء ، ولا يذعنون للحق إذا عارض أهواءهم الظالمة ، لا يحبهم أحد ، فإن من غلب عليه هواه ، وأحب نفسه أبغضه الناس . ولكن ما اللعنة التي ضربها اللّه على الذين اتخذوا إلههم هواهم ؟ قال علماء اللغة : إن اللعن في الأصل معناه الطرد ، وإذا أسند إلى اللّه تعالى كان المراد الطرد من رحمته ، وإني أرى أنه قد يستعمل بمعنى غضب اللّه تعالى وسخطه ، وهذا

--> ( 1 ) جزء من حديث قدسي طويل رواه مسلم : البر والصلة والآداب - تحريم الظلم ( 4674 ) ، وأحمد : مسند الأنصار ( 20451 ) ، عن أبي ذر رضي الله عنه .